التصوف الشنقيطي: المراحل التاريخية، وأهم الطرق الصوفية (ح3)

نشأ التصوف الإسلامي أول ما نشأ في الإسلام من التقشف والورع والتعبد والزهد والتقوى وغير ذلك من مظاهر الانصراف عن الدنيا والإقبال على الدين الحنيف مما كان عاما شائعا بين المسلمين في حياتهم الأولى.
وهو تجربة روحية يعيشها الإنسان ويترجمها أفعالا وسلوكا يوميا، فيكتسب خلالها خصائص وصفات تصلح فيها القلوب والجوارح فتتجرد من كل مفاتن الدنيا ومباهجها.
وقد شهدت بلاد شنقيط منذ القرن 10 الهجري خاصة نهضة ثقافية شاملة قادتها تيارات صوفية، هذا الوجود الصوفي الذي عرفته بلاد شنقيط مؤخرا بعدما ظهر في المشرق والمغرب، ولعب أدوارا مازالت أصداؤها ماثلة على الساحة العربية والإسلامية بصفة عامة، ومع وجود زوايا التصوف الإسلامي في بلاد شنقيط انتشرت المحاضر "الجامعات الأهلية" في أرجاء البلاد الشنقيطية وأقبل الناس عليها بشغف فكانت لهم في رحابها رهبانية علم وجهاد ثقافي كبير وعطاء ثري "شعرا ونثرا"، ولعل ظهور الطريقة القادرية في بلاد شنيقيط متمثلة في الشيخ سيدي المختار الكنتي كانت بمثابة النواة الأولى للتصوف الطرقي في بلاد شنقيط، بالإضافة إلى الطريقة الشاذلية التي دخلت بلاد شنقيط عن طريق شيخين مغربيين هما أحمد زروق المتوفى سنة 963م ومحمد ناصر الدرعي المتوفى سنة 1036م. وأخيرا وليس أخرا الطريقة التجانية التي دخلت هي الأخرى بواسطة محمد الحافظ العلوي المتوفى سنة 1838م إلى بلاد شنقيط وغربي أفريقيا الذي يعتبر بحق أول من نقل تعاليم الطريقة التجانية إلى هذه البلاد، وانطلاقا مما سبق فإننا سنتطرق في هذا البحث إلى محورين أساسيين .
المحور الأول : المراحل التاريخية للتصوف المحور الثاني : أهم الطرق الصوفية في بلاد شنقيط - الطريقة القادرية - الطريقة الشاذلية - الطريقة التجانية - الاستنتاجات المحور الأول : المراحل التاريخية للتصوف يمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مر بها التصوف الإسلامي إلى عدة أطوار وحقب: ففي الطور الأول ويمتد إلى أواخر القرن الثاني لم يكن التصوف متميزا بمميزات تخصه، إذ كان عبارة عن التقييد بالكتاب والسنة وأتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، نهجا وسلوكا والإلتزام بالإسلام كعقيدة راسخة والخوف من الله وعقابه ولم يكن من أصحابه رضوان الله عليهم تمييز عن غيرهم، ولا أمكنة خاصة بهم، ولا اصطلاحات ولا مقامات . ولكن ابتداء من منتصف هذا الطور ، أخذ الزهد وحب الله منحى فلسفيا مع الحسن البصري "ت 110هـ" ورابعة العدوية "ت 135هـ"، وكان من أعلام هذه الطور بعد الصحابة وبعد الحسن البصري ورابعة العدوية، إبراهيم بن الأدهم "ت 161هـ" والفضيل بن عياض "ت187هـ" وشقيق البلخي "ت 194هـ" ومعروف الكرخي "ت 200هـ" وغيرهم... ثم جنح التصوف بعد هذا الطور إلى الفكر والتأمل وظهرت المقامات والاصطلاحات الصوفية، وأخذ الباحثون المهتمون بالتصوف في تدوين الكتب التي تعنى بشرحه وبيان حقائقه، ومن رجالاته في هذا الطور ذو النون المصري "ت245هـ"، وهو أول من تكلم في المقامات الصوفية بمصر، والحارث المحاسبي "ت243هـ" صاحب الرعاية، وبشر الحافي "ت227هـ"، وأبو يزيد البسطامي "ت261هـ"، وقيل : هو أول من تكلم في مقام الفناء، والحسين بن منصور الحلاج "ت 309هـ"، والجنيد "ت 297هـ" وهو أول من صاغ المعاني الصوفية وهذبها، حتى نسب التصوف إليه، فقيل فيه طريق الجنيد" . يقول صاحب المرشد المعين: "وفي طريق الجنيد السالك"، ويصف الجنيد طريق القوم فيقول:" طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به". ثم أخذ التصوف ينتشر بعد على نطاق واسع، وأخذت تبدو من منتحليه أقوال موهمة، غامضة المعاني، وهي ما اصطلح على تسميتها " شطحات" فأنكرها العلماء وحاربوا أصحابها، وحذروا منهم، ومن ثم أفتوا بكفر الحلاج والسهر وردي "ت563هـ"، وهكذا بدأ النزاع بينهم وبين غيرهم من علماء الرسوم والظواهر، كما يسميهم الصوفية، أو رجال الفقه والحديث. إلى أن جاء الغزالي "ت 505هـ"، فعني بالتصوف، وشرح كثيرا من مقاماته وحقائقه، وأقر القول بالكرامات ، والكشف، واعتبره أفضل طريق إلى معرفة الله، وهو إنما يكون نتيجة مجاهدة وإقبال بالكلية على الله سبحانه، وجعل التصوف قوامه العمل والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وشرح في كتابه "المنقذ من الضلال "كيف اهتدى إلى التصوف، ويرى أنه العلم الوحيد الموصل إلى الله، ومن أجل ذلك هجر ما كان مشتغلا به من تدريس العلوم وأقبل بكليته عليه، وألف فيه الكتب العديدة، وأعظمها وأكبرها كتاب " الإحياء " الذائع الصيت . وظهر بعد الغزالي، الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي "ت638هـ"، وكان معاصرا للشيخ عمر بن الفارض المصري "ت632هـ"، الشاعر الصوفي الكبير والإثنان أوغلا في الشطح والقول بوحدة الوجود وتبعهما في ذلك عبد الحق بن سبعين المرسي "ت 669هـ" وتلميذه الشيخ أبو الحسن علي الأندلسي أيضا "ت663هـ"، فكثر فيهم الطعن والقيل والقال، واختلف الناس فيهم من الكفر والزندقة إلى القطبانية أكبر درجات المعرفة في اصطلاح الصوفية. وسلك التصوف معهم "مسلكا فلسفيا غامضا، قل من يفهمه على وجهه وحقيقته، وهو في الواقع تصوف الخواص والعارفين، لا تصوف العوام والمريدين. وفهمه يحتاج إلى استعداد خاص، ولذلك نهى كثير من المشايخ عن مطالعة كتب هؤلاء، إلا لمن كان ذا أهلية واستعداد لذلك، خوفا من أن تفهم على غير وجهها وحقيقتها فيضل القاصر عن القصد، ويتيه في متاهات، ربما أدت به إلى الكفر والإنحلال من الدين بالمرة، كما وقع لكثير من القاصرين الذين تطاولوا على غير مقامهم، فضلوا وأضلوا". وهكذا أخذ التصوف "وجهة فلسفية مع هؤلاء وأضرابهم، في الوقت الذي كان فيه أبو الحسن الشاذلي الغماري "ت 656هـ" ينشر طريقته ومدرسته الصوفية القائمة على مشرب التصوف العملي، والتقيد بطريقة السلف في الزهد والعبادة والإشتغال بذكر الله، ولذلك ناصر طريقته جماعة من العلماء من أمثال :عز الدين بن عبد السلام "ت 660هـ" وغيره . وألف الحافظ السيوطي في تأييدها كتاب "تأييد الحقيقة العلمية، وتشييد الطريقة الشاذلية" وهو مطبوع بمصر. وأبو الحسن الشاذلي هو تلميذ المولى عبد السلام بن مشيش "ت 622هـ"، أخذ عنه ثم انتقل بعد ذلك إلى تونس، واستقر بشاذلة فنسب إليها، ثم انتقل منها إلى مصر، واستوطن الإسكندرية حوالي سنة 642هـ، فحصل عليه إقبال كبير، وأخذ عنه خلق كثير، منهم : عز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، والشيخ أبو العباس المرسي "ت686هـ"، الذي صحبه من تونس، وهو أجل تلامذته، ووارث سره وخلفه من بعده، وهو صاحب المشهد الكبير بالإسكندرية، والشيخ البوصيري صاحب البردة والهمزية، وابن عطاء الله صاحب الحكم. ولم يزل أبو الحسن مستوطنا بمصر إلى أن مات بها وهو في طريقه إلى الحج، وعلى قبره قبة ومسجد، رغم أن الموضع صحراء وقفار. وهو صاحب الطريقة التي تعتبر من أكبر الطرق الصوفية وأكثرها انتشارا في المعمورة. وعنها تفرعت سائر الطرق الصوفية بالمغرب" . المحور الثاني : الطرق الصوفية في بلاد شنقيط دخلت هذه البلاد الشنقيطية عدة طرق صوفية، سيطرت كل واحدة منها على مجموعة قارة أو من البدو الرحل، ويبدو أنها قد جاءت في فترات زمنية متقاربة وعلى أيدي شيوخ مغاربة. وبما أن هذه الصحاري مفتوحة وشيوخ التصوف يتنافسون في نشر طرقهم فإن تحديد أولها وصولا إلى هذه الديار يبدو شاقا إن لم يكن مستحيلا، ومع ذلك يعتقد الكثير من الباحثين في هذا المجال أن أولها وصولا: الطريقة القادرية فالشاذلية وأخيرا التيجانية بالإضافة إلى طرق أخرى أقل انتشارا من سابقاتها. - الطريقة القادرية تعتبر هذه الطريقة من أهم الطرق الصوفية وأوسعها انتشارا في العالم الإسلامي، وابلغها تأثيرا فكريا واجتماعيا وسياسيا في الكثير من البلدان وفي هذا البلد بالخصوص . والقادرية منسوبة إلى مؤسسها سيدي عبد القادر الجيلاني المتوفى "561 هـ-1167م" وقد انتقلت طريقته إلى المغرب عن طريق أبي مدين شعيب الأنصاري الأندلسي "ت594-1198م"، وأخذها عن شعيب الأنصاري عبد السلام بن مشيش الذي انتشرت على يده بصفة محدودة، وسوف يبذل الشيخ محمد عبد الكريم المغيلي التلمساني التواتي "ت 940هـ/1533م" جهودا كبيرة في نشر القادرية، فقد زار بلاد السودان ومنطقة منحنى نهر النيجر وكان وفيا لمرجعيته الفكرية ونشر القادرية حيثما حل، وعنه أخذها من هذه البلاد الشنقيطية الشيخ سيدي أعمر بن الشيخ سيد أحمد البكاي الكنتي "ت959هـ- 1552م" الذي ينسب إليه تأسيسها في السودان والصحراء. وتنقسم القادرية في البلاد الشنقيطية إلى شعبتين كبيرتين هما : أ- البكائية الكنتية : وهي منسوبة إلى مؤسسها الشيخ سيد أعمر بن الشيخ سيد أحمد البكاي الذي زار توات عدة مرات ولقي المغيلى وتتلمذ عليه ردحا من الزمن في بداية القرن 10 هـ إلا هذه الشعبة لم تبلغ أقصى مراتب الازدهار والانتشار إلا مع الشيخ سيدي المختار الكنتي (ت 1226هـ - 1821م) والذي يعد بحق مؤسس التصوف الطرقي في البلاد الشنقيطية. وإلى البكائية ينتسب الكثير من الإعلام العلماء من مختلف مناطق البلاد من أمثال : الشيخ سيديا الكبير الذي أخذها عن الشيخ سيدي المختار الكنتي ثم عن ابنه الشيخ سيدي محمد، والشيخ أحمد بن حبيب الرحمن التندغي، والشيخ أحمد بن سليمان الديماني، والقاضي بن الحاج الاجيجبي وكذلك الشيخ محمد المامي الباركللي، ولمرابط بن عبد الفتاح التركزي وغيرهم كثير. ومن اختلاف المناطق التي جاء منها تلاميذ الشيخ سيدي المختار الكنتي وأهمية الأدوار التي قاموا بها فيما بعد يتضح أن هذا الفرع من القادرية في شنقيط كان دائما في قمة الهرم الديني والسياسي، حيث يبدوا أن العلماء الذين حملوا الهم العام على أكتافهم كان الكثير منهم شيوخا في هذه الطريقة فالدور الذي قام به الشيخ سيد المختار الكنتي من إصلاح بين المتخالفين وعزل وتولية للأمراء وخاصة في منطقة ازواد كلها أمور تدل على ذلك الدور، ولم يكن الشيخ سيديا الكبير في منطقة القبلة إلا مثالا آخر على التأثير القوى للبكائية القادرية في بلاد شنقيط . ب- الفاضلية : هي الشعبة الثانية من القادرية في بلاد شنقيط وكونها ثانية لا يعني أنها جاءت بعد البكائية، إذ يعتقد البعض أن تأسيسهما كان متزامنا، والفاضلية منسوبة إلى الشيخ محمد فاضل بن مامين القلقمي "1780- 1869م" الذي نشأ في منطقة الحوض الشرقي، ومن هناك انتقل إلى قرية اجريف الواقعة شمال مدينة شنقيط بولاية آدرار. وزع الشيخ محمد فاضل بن مامين أبناءه في مناطق البلاد وحمل كل منهم لواء الفاضلية القادرية، حيث كان الشيخ سعد أبيه في الترارزة وما حولها وخاصة على الضفة اليسرى للنهر، والشيخ ماء العينين في أدرار والصحراء وفي الجنوب المغربي، أما سيد الخير فبقي في الحوض ومنه ظل وفيا لصلات الأسرة بالسودان، ومن هذا التوزيع الذي قام به الشيخ محمد فاضل لأبنائه تتضح نيته في نشر الفاضلية في أوسع مجال ممكن داخل البلاد الشنقيطية والبلدان المجاورة. تحقق للشيخ محمد فاضل مبتغاه فاتسع مجال الفاضلية وكثر مريدوها واشتهر أبناءه شهرة كبيرة وحازوا مرتبة عالية في قمة الهرم الديني والاجتماعي وحتى السياسي. وقد أصبح الشيخان ماء العينين وسعد أبيه من أشهر شخصيات الفاضلية على الإطلاق وحتى من أشهر شيوخ القادرية الذين اهتموا بقضية السيطرة الاستعمارية على البلاد الشنقيطية، سواء كان بالقبول والموالاة أو بالرفض والمحاربة ومن أشهر الشخصيات العلميات التي أخذت الورد الفاضلي القادري الشيخ المجتبى بن خطري البصادي الذي أخذه عن الشيخ ماء العينين، والشيخ أحمد أبو المعالي التاكاطي والشيخ التراد بن الشيخ العباس الحضرمي الذين أخذاه عن الشيخ سعد أبيه، وقد أخذه كذلك الشيخ محمد عبد الله بن أده البصادي عن الشيخ التراد . - الطريقة الشاذلية وتنسب هذه الطريقة إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي، وهو علي بن عبد الله الشاذلي المولود سنة 571هـ في صعيد مصر، وقد دخلت الشاذلية إلى البلاد الشنقيطية عن طريق شيخين مغربيين هما : - احمد زروق المتوفى سنة 963 م. - محمد ناصر الدرعي المتوفى سنة 1036م. وبهذين الشيخين تمر السلسلة المحلية للطريقة الشاذلية وهي طريقة نخبوية محدودة الانتشار بين العامة إذا ما قورنت بطرق أخرى مثل القادرية. ويبدوا أن أغلب المنتسبين إليها من العلماء والفقهاء الذين حازوا المراتب العليا في العلوم الشرعية، ومن أشهر العلماء الشناقطة الشاذليين سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، وتلميذه الطالب أحمد بن أطوير الجنة، وأتشفغ الخطاط، وزائد المسلمين التاشدبيتي. الخ. وقد دخلت الشاذلية إلى البلاد في القرن 10هـ مما يعني تزامن دخولها مع دخول القادرية ويشير الخليل النحوي في المنارة والرباط إلى أنه يمكن أن تكون قد دخلت قبلها ويقسمها البعض إلى : أ‌- المتالية : وهي منسوبة إلى الشيخ محمذن فال بن متالي التندغي العالم الجليل والشاعر الأديب الذي اشتهر بالدعوة إلى طلب العلم وتعليمه، المولود سنة 1205هـ و المتوفى سنة 1287هـ. ومن أشهر تلاميذته الشيخ محمد فال المختار بن آلما الديماني، ويحظيه بن عبد الودود، واشتهرت الشاذلية عموما بالاعتماد على طلب العلم في المقام الأول وبتحريم الدخان وكان لها موقف واضح من متعاطيه ومن أمور آخرى اختصرها الشيخ محمد الحسن بن الددو في : - عدم التدخين أو الإعانة على تعاطيه أو الصلاة خلف متعاطيه - عدم نوم الصبيحة - عدم الإكثار من الهذر في القول والعمل مع الحيطة في الورع. وهذه الأمور يجب أن يلتزم بها مريدو الشاذلية أمام شيوخهم. ب‌- الاغظفية : وتنسب إلى الشيخ محمد الاغظف الداودي الجعفري المتوفى سنة 1218هـ ، وهو رجل موصوف بالورع والزهد والتعبد إلى أخر ذلك من الصفات الطيبة إلا أن المعلومات الدقيقة عنه تكاد تكون معدومة. يصفه الكثير من مشايخ الفاضلية فيثنون عليه وهو ما يشير إلى احتمال اتصال السند الفاضلي القادري بهذا الشيخ. ويوصل صاحب أطروحة "القادرية في موريتانيا عرض ونقد" سند الاغظفية إلى محمد ناصر الدرعي مما يعني أنها فرع ثاني للشاذلية في البلاد الشنقيطية ويؤكد أن ما ذكره الخليل النحوي من أنها مزيج بين القادرية والشاذلية غير وارد. ومن أشهر المنتسبين إلى هذه الطريقة الشيخ محمد أحمد الغزواني البصادي والشيخ أحمد بن الطالب بن نوح البصادي، والشيخ المحفوظ بن بيه، الذي أخذها عن عمه الشيخ محمد محمود. وقد اهتم الفرنسيون بهذه الطريقة اهتماما خاصا وكتبوا عنها العديد من الأبحاث ويعتقد الخليل النحوي أن سر ذلك الاهتمام يعود إلى أمور ثلاث . - إنها طريقة شنقيطية المنشأ - أن الشريف سيدي بن مولاي الزين قاتل كبولاني ينتسب إليها - أنها نظمت هجرة جماعية إبان دخول الاستعمار الفرنسي إلى البلاد الشنقيطية وما يلاحظ من خلال المراجع المتوفرة أن هذا الفرع من الشاذلية يلفه غموض شديد فمشائخه لا يحبون تقديم معلومات عن طريقتهم، وأغلب مريديهم من العمال الذين لا صلة لهم بالعلم عكس المتاليين الذين يشترطون التفقه لإعطاء الورد الشاذلي. والاغظفية مزيج بين الطريقتين القادرية والشاذلية وقد تبين أنها ناصرية درعية والدرعية زروقية شاذلية قادرية هي الأخرى. - الطريقة التيجانية وتنسب إلى أبي العباس أحمد محمد المختار بن محمد سالم التيجاني "1150-1235هـ" وتعبر من آخر الطرق الصوفية وصولا إلى البلاد الشنقيطية، وقد تلقاها عن مؤسسها بفاس عدد من الشناقطة من أمثال الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن حبيب العلوي، والذي يبدوا أنه عاد إلى البلاد سنة 1220هـ وإليه يعود الفضل في نشر التيجانية في هذه البلاد وقد بدأ بأبناء عمومته. كما تلقاها عن سيد احمد بن محمد سالم التيجاني أحمد ومحمد أبني الإمام سيد عبد الرحمن الوداني الشنقيطي وكذلك أخذها سيد مولود فال عن الشيخ محمد الحافظ. وفروعها الأساسية في البلاد الشنقيطية هما التجانية الحموية نسبة إلى حماه الله التيشيتي الذي وقف ضد الاستعمار الفرنسي، والتجانية الحافظية نسبة إلى أول من نقل تعاليم الطريقة التجانية إلى بلاد شنقيط وغربي إفريقيا العلامة عبد الحافظ العلوي وقد انتشرت الطريقة التيجانية انتشارا واسعا في إفريقيا الغربية ومن أشهر مشائخها هناك الشيخ إبراهيم الكولخي الذي ازدهرت وبلغت أوج انتشارها على يده في مناطق السنغال والسودان عموما، وإلى التجانية ينتسب الحمويون كما قلت أنفا إلى الشيخ أحمد حماه الله التيشيتي وهو الذي ناصب الفرنسيين العداء، وتزعم ثورة كبيرة ضدهم في المناطق الشرقية من البلاد أدت بفرنسا إلى نفيه حيث مات في ظروف غامضة حوالي سنة "1943م". ويعود الفضل إلى الطريقة التيجانية في نشر الإسلام في أجزاء كبيرة من إفريقيا الغربية وقد حارب بعض مشائخ هذه الطريقة الاستعمال الأوروبي في مناطق مختلفة من القارة. ومع أن دعاة هذه الطرق الصوفية الكبيرة التي سيطرت على المجال الشنقيطي نسبيا والتي تحدثنا عنها سابقا، ظهرت طرق أخرى كانت أقل أهمية من حيث الانتشار والأداء العام مثل : الصديقية والخضرية وهي طرق تتصل بالطرق السابقة.
- الاستنتاجات : نستنتج مما سبق ذكره أن المراحل التاريخية للتصوف الإسلامي بدأت أولا بالتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن إبتداءا من المرحلة الثانية أخد الزهد وحب الله منحى فلسفي وبعد ذلك أخذ التصوف الإسلامي يجنح إلى الفكر والتأمل فظهرت المقامات والاصطلاحات الصوفية وبعدها أخذ التصوف ينتشر على نطاق واسع. وفيما يتعلق باستنتاجنا حول الزوايا "أو المتصوفة" فقد أثروا في بلاد شنقيط، والمجتمع الإفريقي بصفة عامة تأثيرا بالغ الأهمية، وفي مختلف المجالات، وخاصة الجانب الديني والفكري. للطرق الصوفية في بلاد شنقيط وغربي إفريقيا. لقد كان المجال الصحراوي قبلة أمام المتصوفة الذين وفدوا على البلاد الشنقيطية من كل حدب وصوب، واستقبلهم الأهالي بحفاوة وإقبال منقطع النظير. وقد استمر المتصوفة في أداء أدوارهم الدينية والثقافية بل يمكن القول إن هذا الدور قد بلغ أقصى مداه في القرون الأربعة الأخيرة، وانتشرت معالم التصوف في أرجاء المجال الشنقيطي. كما أبلى المتصوفة بلاء حسنا في التصدي للمستعمر الفرنسي الذي حاول تأسيس مدارس فرنسية محل المحضرة "الجامعة الأهلية العتيقة". وقد قال في ذلك الرائد الفرنسي تشادي "وهو من منظري الاستعمار الفرنسي في بلاد شنقيط" : إن مقاومة الاستعمار الثقافي اقترنت بحماس ديني عارم، فقد ازداد البيضان تمسكا بالإسلام وتطبيقا لشعائره خلال فترة الاستعمار وكانوا في حماسهم يقظين لا يخدعون بسهولة . وكذلك نستنتج من خلال تحليلنا للتصوف الشنقيطي أنه مع ظهور الشيخ سيديا المختار الكنتي عرف التصوف الشنقيطي منعطفا حاسما إذ عرفت البلاد التصوف الطرقي في أبهى حلله على يديه وظهرت الأربطة والزوايا، وأخذ عنه أعلام الورد القادري البكائي، وحملوه إلى كل مناطق البلاد لتنتشر القادرية في بلاد شنقيط. ولم تكن الطريقة الشاذلية أقل أهمية وأن كانت أقل انتشارا وذلك لاعتبارها طريقة نخبوية إنتمى إليها أعلام أمثال سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم، ومحمذن فال ولد متالي، ويحظيه ولد عبد الودود، والشيخ الغزواني البصادي. أما الطريقة التيجانية فقد جاءت متأخرة عن سابقاتها ومع ذلك كان دورها كبيرا في نشر الإسلام في منطقة الغرب الإفريقي، وانتمى إليها مشائخ ناهضوا الاستعمار من أمثال الشيخ حماه الله التيشيتي الذي قارع الفرنسيين وأثار حمية القبائل ضدهم بالشرق الشنقيطي مما اضطرهم إلى نفيه عدة مرات.
البيبليـوغرافيـا
1- أبو الحسن: الشاذلي، درة الأسرار وتحفة الأبراز، جمع ابن الصباغ المكتبة الأزهرية للتراث، القاهر 1988. 2-  أبو العباس البوني، منبع أصول الحكمة، مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة/ 1988. 3- أبو العباس المنوني، شمس المعارف الكبرى دار المنار، تونس،1990. 4- أبو القاسم الحفناوي، تعريف الخلق برك بكرامات برجال السلف مؤسسة الرسالة، دمشق 1985 . 5- أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، الطبعة الثالثة، تحقيق محمود أمين النواوي، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة 1992 . 6- أبو حامد الغزالي، المتقد من الضلال، الطبعة الثالثة تحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر القاهرة 1988. 7- أبو حفص السهروردي، فوارق المعارف، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية، يرون 1986. 8- حماه الله ولد السالم: موريتانيا في الذاكرة العربية، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005. 9- الخليل النحوي: بلاد شنقيط المنارة والرباط، المنظمة العربية للتربية والثقافية والعلوم، تونس 1987. 10- محمد الأمين ولد سيد أحمد : السلطة والفقهاء في إمارة الترارزة، ط1، المنار، أنواكشوط، 2003. 11- محمد الداه أحمد : القادرية في موريتانيا عرض ونقد، بحث لنيل درجة الماجستير في العقيدة، كلية الدعوة وأصول الدين جامعة أم القرى، بمكة المكرمة 1412هـ ج1. 12- محمد الداه احمد، القادرية في موريتانيا، عرض ونقد، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ج 1، 1412هـ. 13- محمد سالم ولد اغربط، القادرية الفاضلية في موريتانيا وموقفها من الاستعمار الفرنسي، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة انواكشوط، السنة 1990م. 14- محمد سالم ولد أغربط، القادرية الفاضلية في موريتانيا وموقفها من الاستعمار الفرنسي، قسم التاريخ، كلية الآداب جامعة أنواكشوط، 1990-1991. 15-  محمد الأمين ولد سيد أحمد، السلطة والفقهاء في إمارة الترارزة، ط1، مطبعة المنارة، لكصر، أنواكشوط، موريتانيا، 2003م.

بقلم محمد المصطفى ولد البشير؛ باحث في التصوف الإسلامي
بتاريخ: الأربعاء, 17 أكتوبر 2012 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


الحقوق محفوظة لمدونة الخواره ©2013-2017 | اتصل بنا | الخصوصية